ابن أبي الحديد

161

شرح نهج البلاغة

والسائلون هاهنا هم الرقاب المذكورون في الآية ، وهم المكاتبون يتعذر عليهم أداء مال الكتابة ، فيسألون الناس ليتخلصوا من ربقة الرق . وقيل : هم الأسارى يطلبون فكاك أنفسهم ، وقيل : بل المراد بالرقاب في الآية الرقيق ، يسأل أن يبتاعه الأغنياء فيعتقوه . والمدفوعون هاهنا هم الذين عناهم الله تعالى في الآية بقوله : ( وفي سبيل الله ) ( 1 ) ، وهم فقراء الغزاة ، سماهم مدفوعين لفقرهم . والمدفوع والمدفع : الفقير ، لان كل أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه . وقيل : هم الحجيج المنقطع بهم ، سماهم مدفوعين لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم ، أو دفعوا عن العود إلى أهلهم . فإن قلت : لم حملت كلام أمير المؤمنين عليه السلام على ما فسرته به ؟ قلت : لأنه عليه السلام إنما أراد أن يذكر الأصناف المذكورة في الآية فترك ذكر المؤلفة قلوبهم لان سهمهم سقط بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله : فقد كان يدفع إليهم حين الاسلام ضعيف ، وقد أعزه الله سبحانه ، فاستغنى عن تأليف قلوب المشركين ، وبقيت سبعة أصناف ، وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل . فأما العاملون عليها فقد ذكرهم عليه السلام في قوله : " وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا " ، فبقيت ستة أصناف أتى عليه السلام بألفاظ القرآن في أربعة أصناف منها ، وهي : الفقراء ، والمساكين ، والغارم ، وابن السبيل ، وأبدل لفظتين وهما الرقاب وفى سبيل الله بلفظتين وهما السائلون والمدفوعون . فإن قلت : ما يقوله الفقهاء في الصدقات ؟ هل تصرف إلى الأصناف كلها أم يجوز صرفها إلى واحد منها ؟

--> ( 1 ) سورة التوبة 60 .